كيف تكون ثورة نوفمبر 1954 مصدر إلهام لحركات و نشطاء التغيير في الجزائر

قد يتبادر إلى أذهان عدد غير يسير من المواطنين و المهتمين بالشأن السياسي أن الوضع الحالي مختلف تماما عمّا كان عليه خلال فترة الاستعمار الفرنسي.. و أنّّه لا يمكن مقارنة الاحتلال الفرنسي بالسلطة الحاكمة اليوم و منذ الاستقلال في الجزائر..

إن ثورة نوفمبر 1954 كان هدفها الرئيسي و غايتها الوحيدة هو تحرير البلاد من الاحتلال و تحقيق الاستقلال و استعادة السيادة الوطنية و ذلك عن طريق العمل المسلح بديلا عن النضال السياسي السلمي الذي انتهى إلى طريق مسدود و لم يعد يجدي نفعا.

كما وضحت ثورة نوفمبر المنهجية الصحيحة لإنجاح مسار الثورة وذلك فيما تضمنته بياناتها و مواثيقها من ترتيبات و تدابير و إجراءات التي وضعت لخوض العمل المسلح و تحقيق شروط نجاحه.

فقد وصح النصوص الصادرة عن قيادة الثورة كيفية التعامل مع الوضع وإدارة الصراع مع الخصم و تسيير المواجهة مع النظام الاستعماري

لكن كيف يمكن لحركات و نشطاء التغيير الاستفادة من ثورة نوفمبر و جعلها مصدر الهام لتحقيق التغيير؟ يكون ذلك في رأي على النحو التالي:

أولا- الاستلهام من أخلاق جيل نوفمبر و تجربته الناجحة في العمل و الكفاح و الجهاد من أجل الوطن و المتمثلة أساسا في التضحية، نكران الذات، إعلاء المصلحة العليا للبلاد، رفض الزعامة و تقديس الأشخاص، و هذا بالرغم من وجود نقائص بل ارتكاب تجاوزات خطيرة و جرائم كبيرة من قبل عدد غير يسير من قادة الثورة و المجاهدين العاديين.

ثانيا – إتباع نفس المقاربة في التعامل من الوضع القائم و هذا عن طريق:

1)- إحداث قطيعة مع النظام الإستبدادي القائم.. فرجال أول نوفمبر واجهوا نظاما استعماريا شرسا و لذلك أعلنوا عن قطيعة صراحة و جذرية مع النظام الاستعماري ي الغاشم.. و نحن كذلك نواجه نظاما ديكتاتوريا استبداديا شموليا و بالتالي نعلنها قطيعة مع هذا النظام الديكتاتوري الاستبدادي الشمولي.. و معنى ذلك عدم الاعتراف به أو التعامل معه أو مد الجسور معه أو مع زبائنيه أو مؤيديه لأجل إجراءات تفاهمات أو توافقات لا تؤدي إلى رحيله من غير رجعة..

2)- عدم الاعتراف بشرعية العمل ضمن أطره و حدود النظام الإستبدادي القائم.. مع الاقتناع التام باستحالة تحقيق التحول الديمقراطي و استحالة التخلص من النظام الديكتاتوري الأستبدادي الشمولي ضمن الأطر و الأدوات التي تسمح بها السلطة القائمة و الإطار السياسي و القانوني التي توفره..

تماما مثلما اقتنع رجال الثورة باستحالة تحقيق الاستقلال بالنضال السياسي عبر المنظومة السياسية الاستعمارية..لهذا عمد هؤلاء إلى العمل خارج المنظومة السياسية الاستعمارية أي عن طريق العمل الثوري و الكفاح المسلح ، دون اغفال وسائل العمل الأخرى كالنضال السياسي و العمل الديبلوماسي .. فنحن مقتنعون تمام الاقتناع أنّ تحقيق التحول الديمقراطي و إزالة النظام الديكتاتوري الإستبدادي الشمولي لا بد و أن يتم من خلال الكفاح و النضال و الجهاد السياسي بوسائل غير تقليدية أي ليس تلك التي يسمح بها النظام أو التي تجود بها السلطة القائمة أو ترخص لها لأنها سلطة غير شرعية أصلا و أن الهدف الأساسي للحركة هو العمل على اسقاط النظام و ليس السلطة الظاهرة من حيث أن هذا النظام الاستبدادي هو الذي أوجد هذه السلطة و أن الحراك الثوري يعمل على استعادة الشرعية الشعبية التي صادرها النظام منذ عام 1962 ..

3)- استعمال العمل الثوري كوسيلة أساسية لتحقيق الأهداف ..لقد حرر رجال نوفمبر البلاد بالعمل الثوري و استعمال القوة لإرغام المستعمر على التفاوض من أجل مغادرة البلاد و إقرار استقلال الجزائر عن فرنسا ..و نحن نعتقد أن الحكام الحاليين ما هم في حقيقة الأمر إلا امتداد للاستعمار الفرنسي.. فلا بد من استعمال نفس المنهجية للتخلص منهم و إقامة نظام حكم ديمقراطي حقيقي و لكن ليس باستعمال نفس الأسلوب ألاّ و هو العنف المسلح و إنّماّ بالمغالبة عن طريق حراك شعبي ثوري سلمي لإرغامه من أجل التفاوض على مغادرة الحكم و السلطة بلا قيد أو شرط باستعمال كل الوسائل السلمية المتاحة: وقفات احتجاجية، مظاهرات، مسيرات، اعتصامات، وصولا إلى العصيان المدني.. بالتالي فإن هذه الوسائل هي التي ستمكن من تغيير موازين القوى لصالح قوى التغيير و ليس باستعمال الوسائل التي يسمح بها النظام القائم من حيث أن هذا النظام الاستبدادي لا يمكن أبدا أن يسمح بوسائل قانونية تؤدي إلى نهايته و زواله.. هذا أمر جد معقول.أذن فلابد من الحسم مع هذا النظام و لا يمكن بالقبول بأنصاف الحلول معه و من ثم لابد من العمل على إخراج الشعب إلى الشارع ضد النظام بطريقة سلمية منظمة لتحرير البلاد و العباد من ظلم و استبداد و فساد هذا النظام غير الشرعي، الجائر، الفاسد و الظالم..

ثالثا- إتباع نفس المنهجية و الطريقة لأجل اكتساب عناصر القوة و ترجيح ميزان القوة لأجل تحقيق الهدف فرجال ثورة نوفمبر لاسيما من خلال مسعى المرحومين محمّد العربي بن المهيدي و عبان رمضان قد اجتهدوا لكسب و فسح مجال الانضمام إلى الثورة إلى كل المناضلين من الحركة الوطنية من كل ألوان الطيف السياسي و من جميع الحساسيات السياسية و من كل الاتجاهات الإيديولوجية و هذا من أجل العمل في إطار جماعي لأجل تحقيق هدف واحد و هو تحرير البلاد و تحقيق الاستقلال..و عليه فمن واجب حركتنا الانفتاح على جميع القوى الداعية إلى التغيير و فئات الشعب المختلفة (رجال السياسة، المثقفون،عموم الشعب..) و لهذا وجب تجميع قوى السياسية و الشخصيات الفاعلة و النشطاء العاملين بغض النظر عن الإختلافات الأيديولوجية و الفكرية و السياسية التي تسود بينهم و من ثمّ التوجه نحو الشعب مباشرة لأنه هو الذي سيحسم المعركة في الأخير.

محفوظ بدروني
عضو مؤسس لمؤتمر التغيير الديمقراطي

Share on Google Plus

Nombre de lectures: 1023 Views

Leave a comment

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *